امتنان
03-25-2006, 09:06 AM
سعر برميل النفط يصل إلى 64 دولاراً
نيويورك: الوكالات
سجلت أسعار النفط مزيدا من الارتفاع أمس، حيث وصل سعر برميل النفط إلى ما يقارب 64 دولارا بعد أن وصل سعره أول من أمس إلى 62 دولارا. وارتفع سعر برميل النفط الخفيف دولارين و14 سنتا ليصل إلى 63.91 دولاراً للبرميل في تداولات سوق نيويورك.
ويرجع الارتفاع السريع في أسعار النفط، كما يرى المحللون، لرد الفعل البطيء على التقرير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية الأربعاء الماضي، والتي أعلنت عن خسارة في مخزون النفط الخام العالمي وصلت إلى 1.3 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.
ولعل ما يثير الدهشة في الأمر، هو انخفاض أسعار النفط بعد صدور التقرير لتصل إلى 61.77 دولاراً.
من ناحية ثانية، أدى قرار شركة النفط الإيطالية "Eni"، بشأن عدم تجديد عقود عملها في نيجيريا للتنقيب عن النفط بعد تجدد أعمال العنف الأسبوع الماضي، إلى إثارة المزيد من القلق حول الإمدادات النفطية في المستقبل.
الرفض الكبير لمؤشر السوق
الصراع بين السيولة الجديدة وصناع السوق القدامى
* تحليل : د. حسن أمين الشقطي (*) :
على الرغم من التوقعات الكبيرة بقدرة السيولة الجديدة للمقيمين على رفع المؤشر من الانحدار خلال الأسبوع المقبل إلا أن بث الأخبار عن السماح للمقيمين بالاستثمار في الأسهم لم تتمكن من بث روح التفاؤل لدى المتداولين الحاليين في السوق، حيث لا يزال نزيف الخسائر مستمراً.. فكيف ولماذا حدثت هذه الخسائر خلال الأسبوع المنصرف رغم كافة المحفزات التي تم الإعلان عنها؟ هذا ما سنتناوله بالتحليل في التقرير التالي.
محفزات السوق ورفض المؤشر
بدأت حركة التداول الأسبوع المنصرف، والجميع ينتابه الأمل الكبير بتعويض خسائره في الفترات الماضية في ظل المحفزات الكبيرة التي أعلنت عن الأخبار الطيبة التي نتجت عن صدور التوجيهات السامية لتعزيز استقرار السوق. فمن ناحية سمح للمقيمين بالاستثمار في سوق الأسهم، فضلاً عن الإعلان عن تخفيض القيمة الاسمية وتجزئة الأسهم، بل إن مبادرات فردية عديدة من رجال أعمال ومستثمرين أكدت على ضخ سيولة جديدة وإضافية تحرك الطلب الهزيل في السوق، بل إن هيئة السوق المالية منذ حدوث التصحيح الحاد، وهي تبذل قصارى جهدها للحفاظ على استقرار السوق. وعلى ما يبدو أنها تبدي تعاونها مع الجميع ولا تدع طريقا إلا سلكته.
إلا إنه بالرغم من كافة هذه الجهود الحثيثة والواضحة لإنقاذ السوق من حالة الانهيار الحاد التي يشهدها منذ 26 فبراير، إلا إن حالة النزول الحاد لا تزال تتعاقب على السوق من يوم لآخر، بل إن النزول بات هو السمة المميزة للمؤشر العام للسوق.. فالمؤشر بعد الارتداد الخجول في 15 مارس أصبحت تنتابه حالة من الاضطراب والتذبذب الكبير، فرغم افتتاحه في الأسبوع الماضي على 16356 نقطة، ورغم السيولة الجديدة وحالة التفاؤل التي تسود كافة المتعاملين، إلا إنه أحرز إخفاقاً واضحاً في تعويض أية نسبة من خسائره في الأسابيع القليلة الماضية، بل غنه أغلق عند مستوى 15895 نقطة، أي حقق خسائر جديدة عن الأسبوع السابق له مباشرة.
بالتحديد، خسر المؤشر حوالي 461 نقطة بنسبة 2.82%. إن شكل المؤشر منذ 15 مارس لا يمكن التعبير عنه سوى بحالة العصيان. ولكن يعصي من؟ ولماذا هذا العصيان؟
الشائعات تقود المؤشر:
إن النزول الحاد الذي يصيب سوق الأسهم هذه الأيام لم يسئ لأحد بقدّر ما أساء للمحللين والاقتصاديين في السوق، فلا يوجد حتى الآن محلل أو حتى نظرية يمكن الجزم بصدق تنبؤاتها عن شكل أو حجم أو اتجاه تحركات مؤشر السوق على مدى الفترة منذ 25 فبراير.
لذلك، ففي اعتقادي أن هناك أموراً أو ربما صراعاً خفية تدور في الكواليس لا يراها أو يعلم بها إلا أطرافها والمؤشر نفسه.
ومن ناحية أخرى، تقوم كافة النظريات المرتبطة بحركة المؤشر على معايير للكفاءة أو ما يعرف بمقومات الكفاءة الكاملة، والتي تتمثل حسب نتائج إحدى دراسات المعهد العربي للتخطيط في توافر المعلومات، وتوافر السيولة، وعمق السوق، وانخفاض تكلفة المعاملات، ووعي المستثمرين، وتفضيل المتداولين لتعديل الأسعار بسرعة حسب المعلومات الخارجية الجديدة.
وإذا افترضنا أن السوق السعودي، وبخاصة في ظل القرارات الجديدة يعد غنياً بالسيولة النقدية، كما أن هناك عدداً كبيراً من المتداولين فيه.. كما أن تكلفة المعاملات رغم أنها مرتفعة نسبياً، إلا أنها تعد مقبولة لدى المتداولين، ولا تسبب لهم الإزعاج الكبير. ولا يتبقى سوى عناصر: توافر المعلومات وتفضيل المتداولين لأن تتعدل الأسعار وبسرعة حسب المعلومات الجديدة ووعي المستثمرين. إن مؤشر السوق هو الوحيد من يلاحظ أن معظم المتداولين السوق الآن يعتمدون حالياً على الشائعات التي تصنع قراراتهم بشكل رئيسي. فقاعات التداول أصبحت تعج بتجمعات مركزية، بمعنى وجود أحد المتداولين أو ما يعرف (بصانع القاعة)، ووجود عدد غير قليل من المتداولين حوله، يكادون يأتمرون أو ينفذون أوامر شبيه لما يقوم به من عمليات بيع وشراء. مثلهم مثل أولئك الذين ينتظرون على شاشات الإنترنت ليسمعوا التوصيات اليومية لفلان أو علان.
إن السهم القيادي الأول المحرك للسوق أصبح هو الشائعات. فيومياً أو أسبوعيا توجد شائعة رئيسية، فقريباً ستتغير مواعيد التداول، وقريباً سيصدر قرارا يجعل السوق أسود أو أبيض. لسوء الحظ ولمزيد من المصداقية لمروجي الشائعات، في كثير من الأحيان تصدق هذه الشائعات، ولا يدري أحد كيف يتحصل هؤلاء على مثل هذه الأخبار المهمة والمؤثرة على السوق، فعلى سبيل المثال ظهور شائعة تجزئة الأسهم، والتي لم يمر يوم أو يومين حتى أصبحت حقيقة. لكل ذلك، فقد ضجر المؤشر من متداوليه.
تآكل القيمة السوقية وانتهاء حقبة مستثمري الشائعات
بعد توقفها الأسبوع قبل الماضي، عاودت الخسائر النزيف مرة ثانية، فقد خسر السوق خلال الأسبوع المنتهي في يوم الخميس الماضي نحو 104.4 مليار ريال، بحيث بلغت حجم الخسائر الكلية المتحققة منذ بداية الشهر الحالي حوالي 577 مليار ريال.
إن تآكل القيمة السوقية للأسهم المتداولة بات أمراً واقعاً ويتطلب حلاً عاجلاً وحاسماً. إن العروض الكثيفة والمسيطرة على معظم الأسهم المتداولة، بل وحتى القيادية منها لا يمكن تفسيرها سوى بانتهاء حقبة من المستثمرين، وإحلالهم بمستثمرين جدد.
إن الشائعات لا تزال تلعب الدور الرئيسي في السوق، إلا أن المستثمرين القدامى الذين اعتادوا على احتضان تلك الشائعات هم الذين على ما يبدو انتهوا. فكثير من المحافظ أصبحت لا تحوي سوى ريالات بعد الملايين، وبخاصة في ظل مطالبات البنوك بمستحقاتها عليهم.
استمرار ضغوط العروض وانحسار الطلبات
من أبرز المؤشرات الخطيرة التي تنتاب السوق حالياً هي أنه رغم السيولة الجديدة التي ضخت والتي من المتوقع، بل من المؤكد أنها ستضخ مع بداية تداولات الأسبوع الجديد، إلا إن ضغوطاً بيعية كثيفة لا تزال تضغط على المؤشر للنزول لأسفل.
فعلى سبيل المثال، تداولات يوم الخميس تؤكد أن هناك ضغوطاً تمارسها أطراف معينة في السوق.. فقد بلغ إجمالي الكمية المعروضة من الأسهم عند الإغلاق نحو 6.7 ملايين سهم، في حين بلغ حجم الطلبات نحو 89 ألف سهم.. أي أن العرض بات يفوق الطلب بنحو 74 ضعفاً.
ومما يثير الدهشة أن معظم العروض كانت بنسب تقترب من النسبة الدنيا. وهنا يثار التساؤل.. هل تلك العروض حقيقية أم هي عروض وهمية لمجرد خلق ضغوط إضافية لهبوط المؤشر لأسفل؟ يوجد هناك كثير من المؤشرات يمكن أن تعزز فرضية أن هذه العروض - أو حتى نسبة كبيرة منها - تمثل عروض حقيقية.
وهنا يثار التساؤل... من الذي يعرض الآن وعلى استعداد للبيع بنسبة دنيا؟. إن تفسير ذلك يضعنا أمام عدة احتمالات. إما يكون العارضون صناع سوق ويرغبون في الحفاظ على الأوضاع النزولية إما لاستفادتهم من ذلك، أو لإثبات قدرتهم على السيطرة على السوق، أو أن العارضين هم صناديق استثمار تتعرض حالياً لنزيف من طلبات المستثمرين وبخاصة من المقيمين لتسييل محافظهم وإعادة توجيهها للاستثمار في سوق الأسهم مباشرة. والاحتمال الأخير، هو أن يكون العارضون من صغار المستثمرين الذين أصابهم الذعر والقلق الكبيرين من مخاوف النزول لمستويات أعلى، أو نتيجة لاحتياجهم للسيولة لتلبية مستحقات نقدية تتمثل في الغالب في مستحقات خدمة قروضهم البنكية.
حجب السيولة من التداول والأهرامات الثلاثة
رغم كل المحفزات المذكورة عالية فإن حجم السيولة المتداولة خلال الأسبوع الماضي لا يكاد يذكر إذا قُورن بمستوياته خلال بداية الثلث الأخير من الشهر الماضي.. فبعد مستوياته العالية التي فاقت الـ45 مليار ريال يومياً، اغلق المؤشر يوم الخميس الماضي على سيولة بنحو 3.2 مليارات ريال.
ولا يوجد تفسير لذلك سوى بأن هناك اتجاهاً من المحافظ الاستثمارية لكبار المتداولين لحجب السيولة عن السوق. إن شكل الأهرامات الثلاثة التي اتخذتها السيولة المتداولة على مدى الفترة منذ 15 مارس (أي منذ صدور التوجيهات السامية) تؤكد وجود تحركات متعمدة من صناع السوق ناحية ترقية المؤشر، ثم النزول به إلى مستويات منخفضة، ثم ترقيته مرة أخرى، وهكذا.
وقد حدثت هذه العملية ثلاث مرات وبشكل واضح.
خسائر القطاعات منذ بداية التصحيح:
إن غالبية القطاعات في السوق باتت عرضة للنزول الحاد والمتواصل، وأصبحت معظمها تحقق خسائر مستمرة، فخلال الأسبوع الماضي لم ينج من الخسائر سوى قطاعي الاتصالات والصناعة.
في المقابل انخفضت بقية القطاعات الأخرى بنسب متفاوتة، فقد حقق قطاع الزراعة والخدمات خسائر كبيرة بنحو 18.7% و17% على التوالي.
أيضاً قطاعا الكهرباء والأسمنت حققا خسائر بنحو 13.6% و10.7%.
وعلى الرغم من أهمية هذا القدّر من الخسائر، إلا أنه يعد غير مهم عند مقارنته بحجم الخسائر الكبيرة التي أحرزتها هذه القطاعات منذ بداية التصحيح، فقد أحرزت قطاعات الزراعة والكهرباء والخدمات والتأمين والأسمنت والصناعة خسائر كبيرة وبنسب 59.9%، و47.6%، و40.7%، و32.2%، و28.9%، و24.9% على التوالي.
مكررات الأرباح عاودت الارتفاع ثانية
على الرغم من الاتجاه النزولي لمكررات الأرباح منذ بداية التصحيح، بشكل عزا بكثير من الأسهم إلى أن تقترب أسعارها السوقية من التعبير عن أوضاعها المالية الحقيقية، إلا إن اللافت للنظر أن متوسط مكرر الأرباح الإجمالي للسوق بدأ يعاود الصعود مرة أخرى رغم استمرار حالة النزول حتى الآن. فقد انخفض هذا المكرر من مستوى 418 في بداية مارس إلى نحو 270 في 9 مارس، تلاه انخفاض آخر إلى 218 في 16 مارس، إلا إنه بدأ يصعد مرة أخرى إلى نحو 391 في نهاية تداولات الخميس الماضي.
ويؤكد ذلك أن السوق يخضع حالياً لمنظور اليد الخفية التي تحركه في سياق رؤية خاصة لمصالحها.
كيف يمكن السيطرة
على رفض المؤشر
لا يزال السوق في حاجة للتصالح مع صناعه الأصليين، فقد أثبت التجربة خلال الأسبوعيين الماضيين أن للسوق السعودي صناعه الذين لا يمكن الاستغناء عنهم.. فلا المبادرات الفردية، ولا تخفيض نسبة التذبذب، وأيضاً ولا تجزئة الأسهم باتت قادرة على إرضاء المؤشر ومنع عصيانه. فعلى ما يبدو أن فئة معينة فقط من صناع السوق هم الوحيدون القادرون على تسيير المؤشر لأعلى.. لذلك، فقد يكون من الضروري الآن النظر.. لا نقول الاتفاق أو التكامل معهم.. ولكن النظر لمصالح صغار المستثمرين فيهم.. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية عاش الصغار بجانب صناع السوق، وحققوا أرباحاً معقولة، جذبت الملايين غيرهم للسوق بآمال كبيرة باعوا من أجلها ربما أملاكهم.
إن تخلي الصناع عن السوق يكاد يسبب كارثة إن استمر لأسبوع آخر، وبخاصة في ظل تعاقب المطالبات والمستحقات البنكية على الآلاف من الصغار المستثمرين.. أما الأمر الثاني الذي بدا مهماً ويحتاج لدراسة، وهو صناديق الاستثمار، وبخاصة بالنسبة لتحركاتها في أوقات الأزمات.
بالتحديد، خلال الأيام القليلة القادمة سيبرز في السوق ثلاثة أطراف رئيسية ستلعب الدور الرئيسي في تحديد اتجاه وحجم المؤشر الرئيسي للسوق، هي: سيولة صناع السوق القدامى وسيولة المقيمين وسيولة صناديق الاستثمار.
فهل تتكامل أم تتصارع هذه الأطراف لدعم أم للضغط على المؤشر؟
(*) محلل اقتصادي ومالي
نيويورك: الوكالات
سجلت أسعار النفط مزيدا من الارتفاع أمس، حيث وصل سعر برميل النفط إلى ما يقارب 64 دولارا بعد أن وصل سعره أول من أمس إلى 62 دولارا. وارتفع سعر برميل النفط الخفيف دولارين و14 سنتا ليصل إلى 63.91 دولاراً للبرميل في تداولات سوق نيويورك.
ويرجع الارتفاع السريع في أسعار النفط، كما يرى المحللون، لرد الفعل البطيء على التقرير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية الأربعاء الماضي، والتي أعلنت عن خسارة في مخزون النفط الخام العالمي وصلت إلى 1.3 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.
ولعل ما يثير الدهشة في الأمر، هو انخفاض أسعار النفط بعد صدور التقرير لتصل إلى 61.77 دولاراً.
من ناحية ثانية، أدى قرار شركة النفط الإيطالية "Eni"، بشأن عدم تجديد عقود عملها في نيجيريا للتنقيب عن النفط بعد تجدد أعمال العنف الأسبوع الماضي، إلى إثارة المزيد من القلق حول الإمدادات النفطية في المستقبل.
الرفض الكبير لمؤشر السوق
الصراع بين السيولة الجديدة وصناع السوق القدامى
* تحليل : د. حسن أمين الشقطي (*) :
على الرغم من التوقعات الكبيرة بقدرة السيولة الجديدة للمقيمين على رفع المؤشر من الانحدار خلال الأسبوع المقبل إلا أن بث الأخبار عن السماح للمقيمين بالاستثمار في الأسهم لم تتمكن من بث روح التفاؤل لدى المتداولين الحاليين في السوق، حيث لا يزال نزيف الخسائر مستمراً.. فكيف ولماذا حدثت هذه الخسائر خلال الأسبوع المنصرف رغم كافة المحفزات التي تم الإعلان عنها؟ هذا ما سنتناوله بالتحليل في التقرير التالي.
محفزات السوق ورفض المؤشر
بدأت حركة التداول الأسبوع المنصرف، والجميع ينتابه الأمل الكبير بتعويض خسائره في الفترات الماضية في ظل المحفزات الكبيرة التي أعلنت عن الأخبار الطيبة التي نتجت عن صدور التوجيهات السامية لتعزيز استقرار السوق. فمن ناحية سمح للمقيمين بالاستثمار في سوق الأسهم، فضلاً عن الإعلان عن تخفيض القيمة الاسمية وتجزئة الأسهم، بل إن مبادرات فردية عديدة من رجال أعمال ومستثمرين أكدت على ضخ سيولة جديدة وإضافية تحرك الطلب الهزيل في السوق، بل إن هيئة السوق المالية منذ حدوث التصحيح الحاد، وهي تبذل قصارى جهدها للحفاظ على استقرار السوق. وعلى ما يبدو أنها تبدي تعاونها مع الجميع ولا تدع طريقا إلا سلكته.
إلا إنه بالرغم من كافة هذه الجهود الحثيثة والواضحة لإنقاذ السوق من حالة الانهيار الحاد التي يشهدها منذ 26 فبراير، إلا إن حالة النزول الحاد لا تزال تتعاقب على السوق من يوم لآخر، بل إن النزول بات هو السمة المميزة للمؤشر العام للسوق.. فالمؤشر بعد الارتداد الخجول في 15 مارس أصبحت تنتابه حالة من الاضطراب والتذبذب الكبير، فرغم افتتاحه في الأسبوع الماضي على 16356 نقطة، ورغم السيولة الجديدة وحالة التفاؤل التي تسود كافة المتعاملين، إلا إنه أحرز إخفاقاً واضحاً في تعويض أية نسبة من خسائره في الأسابيع القليلة الماضية، بل غنه أغلق عند مستوى 15895 نقطة، أي حقق خسائر جديدة عن الأسبوع السابق له مباشرة.
بالتحديد، خسر المؤشر حوالي 461 نقطة بنسبة 2.82%. إن شكل المؤشر منذ 15 مارس لا يمكن التعبير عنه سوى بحالة العصيان. ولكن يعصي من؟ ولماذا هذا العصيان؟
الشائعات تقود المؤشر:
إن النزول الحاد الذي يصيب سوق الأسهم هذه الأيام لم يسئ لأحد بقدّر ما أساء للمحللين والاقتصاديين في السوق، فلا يوجد حتى الآن محلل أو حتى نظرية يمكن الجزم بصدق تنبؤاتها عن شكل أو حجم أو اتجاه تحركات مؤشر السوق على مدى الفترة منذ 25 فبراير.
لذلك، ففي اعتقادي أن هناك أموراً أو ربما صراعاً خفية تدور في الكواليس لا يراها أو يعلم بها إلا أطرافها والمؤشر نفسه.
ومن ناحية أخرى، تقوم كافة النظريات المرتبطة بحركة المؤشر على معايير للكفاءة أو ما يعرف بمقومات الكفاءة الكاملة، والتي تتمثل حسب نتائج إحدى دراسات المعهد العربي للتخطيط في توافر المعلومات، وتوافر السيولة، وعمق السوق، وانخفاض تكلفة المعاملات، ووعي المستثمرين، وتفضيل المتداولين لتعديل الأسعار بسرعة حسب المعلومات الخارجية الجديدة.
وإذا افترضنا أن السوق السعودي، وبخاصة في ظل القرارات الجديدة يعد غنياً بالسيولة النقدية، كما أن هناك عدداً كبيراً من المتداولين فيه.. كما أن تكلفة المعاملات رغم أنها مرتفعة نسبياً، إلا أنها تعد مقبولة لدى المتداولين، ولا تسبب لهم الإزعاج الكبير. ولا يتبقى سوى عناصر: توافر المعلومات وتفضيل المتداولين لأن تتعدل الأسعار وبسرعة حسب المعلومات الجديدة ووعي المستثمرين. إن مؤشر السوق هو الوحيد من يلاحظ أن معظم المتداولين السوق الآن يعتمدون حالياً على الشائعات التي تصنع قراراتهم بشكل رئيسي. فقاعات التداول أصبحت تعج بتجمعات مركزية، بمعنى وجود أحد المتداولين أو ما يعرف (بصانع القاعة)، ووجود عدد غير قليل من المتداولين حوله، يكادون يأتمرون أو ينفذون أوامر شبيه لما يقوم به من عمليات بيع وشراء. مثلهم مثل أولئك الذين ينتظرون على شاشات الإنترنت ليسمعوا التوصيات اليومية لفلان أو علان.
إن السهم القيادي الأول المحرك للسوق أصبح هو الشائعات. فيومياً أو أسبوعيا توجد شائعة رئيسية، فقريباً ستتغير مواعيد التداول، وقريباً سيصدر قرارا يجعل السوق أسود أو أبيض. لسوء الحظ ولمزيد من المصداقية لمروجي الشائعات، في كثير من الأحيان تصدق هذه الشائعات، ولا يدري أحد كيف يتحصل هؤلاء على مثل هذه الأخبار المهمة والمؤثرة على السوق، فعلى سبيل المثال ظهور شائعة تجزئة الأسهم، والتي لم يمر يوم أو يومين حتى أصبحت حقيقة. لكل ذلك، فقد ضجر المؤشر من متداوليه.
تآكل القيمة السوقية وانتهاء حقبة مستثمري الشائعات
بعد توقفها الأسبوع قبل الماضي، عاودت الخسائر النزيف مرة ثانية، فقد خسر السوق خلال الأسبوع المنتهي في يوم الخميس الماضي نحو 104.4 مليار ريال، بحيث بلغت حجم الخسائر الكلية المتحققة منذ بداية الشهر الحالي حوالي 577 مليار ريال.
إن تآكل القيمة السوقية للأسهم المتداولة بات أمراً واقعاً ويتطلب حلاً عاجلاً وحاسماً. إن العروض الكثيفة والمسيطرة على معظم الأسهم المتداولة، بل وحتى القيادية منها لا يمكن تفسيرها سوى بانتهاء حقبة من المستثمرين، وإحلالهم بمستثمرين جدد.
إن الشائعات لا تزال تلعب الدور الرئيسي في السوق، إلا أن المستثمرين القدامى الذين اعتادوا على احتضان تلك الشائعات هم الذين على ما يبدو انتهوا. فكثير من المحافظ أصبحت لا تحوي سوى ريالات بعد الملايين، وبخاصة في ظل مطالبات البنوك بمستحقاتها عليهم.
استمرار ضغوط العروض وانحسار الطلبات
من أبرز المؤشرات الخطيرة التي تنتاب السوق حالياً هي أنه رغم السيولة الجديدة التي ضخت والتي من المتوقع، بل من المؤكد أنها ستضخ مع بداية تداولات الأسبوع الجديد، إلا إن ضغوطاً بيعية كثيفة لا تزال تضغط على المؤشر للنزول لأسفل.
فعلى سبيل المثال، تداولات يوم الخميس تؤكد أن هناك ضغوطاً تمارسها أطراف معينة في السوق.. فقد بلغ إجمالي الكمية المعروضة من الأسهم عند الإغلاق نحو 6.7 ملايين سهم، في حين بلغ حجم الطلبات نحو 89 ألف سهم.. أي أن العرض بات يفوق الطلب بنحو 74 ضعفاً.
ومما يثير الدهشة أن معظم العروض كانت بنسب تقترب من النسبة الدنيا. وهنا يثار التساؤل.. هل تلك العروض حقيقية أم هي عروض وهمية لمجرد خلق ضغوط إضافية لهبوط المؤشر لأسفل؟ يوجد هناك كثير من المؤشرات يمكن أن تعزز فرضية أن هذه العروض - أو حتى نسبة كبيرة منها - تمثل عروض حقيقية.
وهنا يثار التساؤل... من الذي يعرض الآن وعلى استعداد للبيع بنسبة دنيا؟. إن تفسير ذلك يضعنا أمام عدة احتمالات. إما يكون العارضون صناع سوق ويرغبون في الحفاظ على الأوضاع النزولية إما لاستفادتهم من ذلك، أو لإثبات قدرتهم على السيطرة على السوق، أو أن العارضين هم صناديق استثمار تتعرض حالياً لنزيف من طلبات المستثمرين وبخاصة من المقيمين لتسييل محافظهم وإعادة توجيهها للاستثمار في سوق الأسهم مباشرة. والاحتمال الأخير، هو أن يكون العارضون من صغار المستثمرين الذين أصابهم الذعر والقلق الكبيرين من مخاوف النزول لمستويات أعلى، أو نتيجة لاحتياجهم للسيولة لتلبية مستحقات نقدية تتمثل في الغالب في مستحقات خدمة قروضهم البنكية.
حجب السيولة من التداول والأهرامات الثلاثة
رغم كل المحفزات المذكورة عالية فإن حجم السيولة المتداولة خلال الأسبوع الماضي لا يكاد يذكر إذا قُورن بمستوياته خلال بداية الثلث الأخير من الشهر الماضي.. فبعد مستوياته العالية التي فاقت الـ45 مليار ريال يومياً، اغلق المؤشر يوم الخميس الماضي على سيولة بنحو 3.2 مليارات ريال.
ولا يوجد تفسير لذلك سوى بأن هناك اتجاهاً من المحافظ الاستثمارية لكبار المتداولين لحجب السيولة عن السوق. إن شكل الأهرامات الثلاثة التي اتخذتها السيولة المتداولة على مدى الفترة منذ 15 مارس (أي منذ صدور التوجيهات السامية) تؤكد وجود تحركات متعمدة من صناع السوق ناحية ترقية المؤشر، ثم النزول به إلى مستويات منخفضة، ثم ترقيته مرة أخرى، وهكذا.
وقد حدثت هذه العملية ثلاث مرات وبشكل واضح.
خسائر القطاعات منذ بداية التصحيح:
إن غالبية القطاعات في السوق باتت عرضة للنزول الحاد والمتواصل، وأصبحت معظمها تحقق خسائر مستمرة، فخلال الأسبوع الماضي لم ينج من الخسائر سوى قطاعي الاتصالات والصناعة.
في المقابل انخفضت بقية القطاعات الأخرى بنسب متفاوتة، فقد حقق قطاع الزراعة والخدمات خسائر كبيرة بنحو 18.7% و17% على التوالي.
أيضاً قطاعا الكهرباء والأسمنت حققا خسائر بنحو 13.6% و10.7%.
وعلى الرغم من أهمية هذا القدّر من الخسائر، إلا أنه يعد غير مهم عند مقارنته بحجم الخسائر الكبيرة التي أحرزتها هذه القطاعات منذ بداية التصحيح، فقد أحرزت قطاعات الزراعة والكهرباء والخدمات والتأمين والأسمنت والصناعة خسائر كبيرة وبنسب 59.9%، و47.6%، و40.7%، و32.2%، و28.9%، و24.9% على التوالي.
مكررات الأرباح عاودت الارتفاع ثانية
على الرغم من الاتجاه النزولي لمكررات الأرباح منذ بداية التصحيح، بشكل عزا بكثير من الأسهم إلى أن تقترب أسعارها السوقية من التعبير عن أوضاعها المالية الحقيقية، إلا إن اللافت للنظر أن متوسط مكرر الأرباح الإجمالي للسوق بدأ يعاود الصعود مرة أخرى رغم استمرار حالة النزول حتى الآن. فقد انخفض هذا المكرر من مستوى 418 في بداية مارس إلى نحو 270 في 9 مارس، تلاه انخفاض آخر إلى 218 في 16 مارس، إلا إنه بدأ يصعد مرة أخرى إلى نحو 391 في نهاية تداولات الخميس الماضي.
ويؤكد ذلك أن السوق يخضع حالياً لمنظور اليد الخفية التي تحركه في سياق رؤية خاصة لمصالحها.
كيف يمكن السيطرة
على رفض المؤشر
لا يزال السوق في حاجة للتصالح مع صناعه الأصليين، فقد أثبت التجربة خلال الأسبوعيين الماضيين أن للسوق السعودي صناعه الذين لا يمكن الاستغناء عنهم.. فلا المبادرات الفردية، ولا تخفيض نسبة التذبذب، وأيضاً ولا تجزئة الأسهم باتت قادرة على إرضاء المؤشر ومنع عصيانه. فعلى ما يبدو أن فئة معينة فقط من صناع السوق هم الوحيدون القادرون على تسيير المؤشر لأعلى.. لذلك، فقد يكون من الضروري الآن النظر.. لا نقول الاتفاق أو التكامل معهم.. ولكن النظر لمصالح صغار المستثمرين فيهم.. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية عاش الصغار بجانب صناع السوق، وحققوا أرباحاً معقولة، جذبت الملايين غيرهم للسوق بآمال كبيرة باعوا من أجلها ربما أملاكهم.
إن تخلي الصناع عن السوق يكاد يسبب كارثة إن استمر لأسبوع آخر، وبخاصة في ظل تعاقب المطالبات والمستحقات البنكية على الآلاف من الصغار المستثمرين.. أما الأمر الثاني الذي بدا مهماً ويحتاج لدراسة، وهو صناديق الاستثمار، وبخاصة بالنسبة لتحركاتها في أوقات الأزمات.
بالتحديد، خلال الأيام القليلة القادمة سيبرز في السوق ثلاثة أطراف رئيسية ستلعب الدور الرئيسي في تحديد اتجاه وحجم المؤشر الرئيسي للسوق، هي: سيولة صناع السوق القدامى وسيولة المقيمين وسيولة صناديق الاستثمار.
فهل تتكامل أم تتصارع هذه الأطراف لدعم أم للضغط على المؤشر؟
(*) محلل اقتصادي ومالي